أصدر وزير الداخلية الأردني بتاريخ 23/4/2025 قراراً بحل جماعة الإخوان المسلمين واعتبارها جماعة غير مشروعة بموجب أحكام القانون مع اتخاذ جملة من الإجراءات القانونية المترتبة على ذلك، وقد أثار هذا القرار العديد من التساؤلات القانونية والدستورية.

وتتمثل الإشكالية الرئيسية في بيان الطبيعة القانونية لهذا القرار، وذلك من خلال الإجابة على مجموعة من الأسئلة أهمها: هل يعد القرار الصادر عن وزير الداخلية قراراً ادارياً بالمعنى القانوني؟ وهل استوفى أركان وشروط القرار الإداري؟ وفي حال وجود عيب يشوبه ، هل يترتب على ذلك اعتباره قراراً باطلاً أم قراراً منعدماً؟ وأخيراً ما مدى دستورية هذا القرار؟

وعليه، تم التقسيم الى بابين رئيسيين: الباب الأول: ما ماهية القرار الإداري وما هي أركانه وشروطه، الباب الثاني: ما هو القرار الإداري المنعدم والقرار الإداري الباطل.

الباب الأول

ماهية القرار الإداري وأركانه وشروطه

تم تقسيم هذا الباب الى مطلبين رئيسيين وهما:

المطلب الأول: ماهية القرار الإداري.

المطلب الثاني: أركان وشروط القرار الإداري.

المطلب الأول

ماهية القرار الإداري

تناول الفقه تعريف القرار الإداري بأنه: اعلان للإرادة بقصد احداث أثر قانوني ازاء الأقراد يصدر من سلطة ادارية في صورة تنفيذية أي في صورة تؤدي الى التنفيذ المباشر.

كما عرفت المحكمة الإدارية العليا الأردنية القرار الإداري بأنه:

" استقر الفقه والقضاء الإداريين على تعريف القرار الإداري أياً كان نوعه على أنه عمل قانوني نهائي صادر بإرادة منفردة والملزمة لجهة الإدارة العامة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين والأنظمة في الشكل الذي يتطلبه القانون يقصد به إنشاء أو تعديل أو الغاء مركز قانوني معين ابتغاء المصلحة العامة."

المطلب الثاني

أركان وشروط القرار الإداري

بناءً على تعريف القرار الإداري وذكر فيه أنه صادر عن الإرادة المنفردة لإحداث أثر قانوني، وعلى ذلك لكي يعتبر القرار اداري يجب توافر مجموعة من الشروط وفي حال خل واحداً منها يجعل القرار عرضةً للطعن والإلغاء أمام المحكمة المختصة، وهذه الشروط هي:

1- الإختصاص: يجب أن يصدر القرار عن موظف أو جهة إدارية تملك قانونياً صلاحية اصدارهضمن حدود الإمكانية النوعية.

2- الشكل والإجراءات: يجب أن يأخذ القرار الشكل الذي يفرضه القانون، مثل الصدور خطياً، التوقيع، التسبيب أو اتباع لجان معينة.

3- المحل(موضوع): يجب أن يكون الأثر القانوني الذي يحدثه القرار ممكناً ومجازاً قانونياً ولا يخالف التشريعات النافذة.

4- السبب: يجب أن يستند القرار الى حالة واقعية أو قانونية تبرر اصداره.

5- الغاية(الهدف): يجب أن يهدف القرار حصراً الى تحقيق المصلحة العامة، وأي انحراف لتحقيق مصلحة شخصية يعد إساءة استعمال السلطة.

**قد نص القانون الإداري على امكانية الطعن في القرار الإداري الصادر في حال:

1- عدم الإختصاص.

2- مخالفة الدستور أو القوانين والأنظمة أو الخطأ في تطبيقها.

3- العيب في الشكل.

4- اساءة استعمال السلطة.

5- عيب السبب.

الباب الثاني

القرار المنعد والقرار الباطل

تم تقسيم هذا الباب الى مطلبين وهما:

المطلب الأول: القرار المنعدم.

المطلب الثاني: القرار الباطل.

المطلب الأول

القرار المنعدم

عُرِفَ القرار الإداري المنعدم بأنه قرار يعتبر غير موجود قانونياً ولا ينتج آثار قانونية، ويعتبر القرار المنعدم ضمن حالات عدم الوجود القانوني وبالتالي لا يمكن اعتباره كأنه صدر أو له أي تأثير.

وهنالك أسباب لإعتبار القرار الإداري منعدم وتتمثل ب:

1- عدم الإختصاص: صدوره عن جهة غير مختصة أو لم يكن لها صلاحية اصداره.

2- انعدام الشكل: إذا لم يتبع القرار الشكل القانوني المطلوب.

3- عدم وجود السبب: إذا كان القرار يفتق الى السبب القانوني الذي يبرره أو إذا كان السبب غير صحيح أو غير كافٍ.

4- مخالفة النظام العام: إذا كان القرار يتعارض مع المبادئ الأساسية للنظام القانوني أو القيم الإجتماعية.

في حال ورد أي من الأسباب السابقة في القرار الإداري يعتبر القرار الإداري غير موجود قانونياً ويعتبر منعدم ويترتب عليه عدم النفاذ، وامكانية الطعن فيه واعادة الوضع لما كان عليه مع عدم امكانية التمسك فيه، وقد يترتب على اصدار قرار اداري منعدم مسؤولية ادارية على الجهة التي أصدرته واتخاذ اجراءات تأديبية ضد المسؤولين عن اصداره.

المطلب الثاني

القرار الباطل

عُرِفَ القرار الإداري الباطل بأنه القرار الذي يصدر عن جهة ادارية ولكنه يفتقر الى أحد الشروط القانونية اللازمة لصحة القرار مما يجعله غير قابل للتنفيذ أو الإعتداد به.

ويمكن أن يكون القرار باطلاً لوجود عدة أسباب منها:

1- عدم الإختصاص: صدوره عن جهة غير مختصة أو لم يكن لها صلاحية اصداره.

2- انعدام الشكل: إذا لم يتبع القرار الشكل القانوني المطلوب.

3- مخالفة القانون: أذا كان القرار يتعارض مع القوانين والأنظمة المعمول بها.

4- انعدام السبب: إذا كان القرار يفتقر الى السبب القانوني الذي يبرره.

5- الإساءة في استعمال السلطة: إذا تم إصدار القرار بغرض غير مشروع أو لتحقيق مصلحة شخصية. يمكن للأشخاص المتضررين من القرار الإداري الباطل الطعن فيه أمام الجهات المختصة، حيث يمكن أن يتم إلغاؤه أو تصحيحه.

وهنا يجب التفريق بين البطلان النسبي والبطلان المطلق واثر كل منهما:

-- البطلان النسبي: هو البطلان الذي ينشأ عن عيوب معينة في القرار الإداري ولكنه لا يؤثر على جوهر القرار، ويمكن تصحيحه أو ازالته ولا يمكن التمسك فيه ألا من قبل الأشخاص الذين تضرروا من القرار.

-- البطلان المطلق: هو البطلان الذي ينشأ عن مخالفة القواعد القانونية الأساسية أو النظام العام ويعتبر القرار باطلاً من الأصل ولا يمكن تصحيحه، ويمكن لأي شخص أن يتمسك بهذا البطلان سواءً كان له مصلحه مباشرة أ وغير مباشرة.

لقد ثار جدل قانوني حول دستورية الجهة المختصة بإعلان عدم مشروعية الجماعة، فبينما يرى اتجاه أن الإختصاص الإداري كان ينبغي أن يمارس من خلال وزارة التنمية الإجتماعية باعتبار الجماعة مسجلة أصلاً ضمن إطار الجمعيات، ترى الحومة أن وزير الداخلية لم يصدر قراراً لحلها وإنما أعلن تنفيذ الآثار القانونية المترتبة على أحكام قضائية نهائية قضت بانحلال الجماعة وفقدانها للشخصية القانونية وهو ما يندرج ضمن اختصاصه المتعلق بحماية النظام العام وتنفيذ القانون.

التكييف القانوني للجماعات غير المشروعة والمحظورة والمنحلة

قبل بيان السند القانوني الذي استندت عليه السلطات المختصة في اعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة غير مشروعة و/أو محظورة و/أو منحلة، لا بد من الوقوف ومعرفة ما المقصود بكل هذه الأوصاف القانونية وتمييزها عن بعضها حسب ما جاء في القوانين والتشريعات النافذة.

وعليه، سيتم تناول مفهوم الجماعة المحظورة، الجماعة غير المشروعة وأخيراً الجماعة المنحلة وذلك في ثلاث مطالب رئيسية وصولاًالى ما يترتب على اضافة أي من هذه الأوصاف على الجماعة.

المطلب الأول

الجماعة المحظورة

لم يورد القانون الأردني تعريف عام ومباشر للجماعة المحظورة وإنما استنبط معنى الجماعة المحظورة بأنها: الجماعةالتي تققرر السلطة المختصة منع نشاطها أو أعمالها أو الترويج لها أو الإنتساب اليها، ويترتب على الحظر منع ممارسة أي نشاط أو عمل باسم الجمعية واتخاذ الإجراءات القانونية بحق من يستمر بالعمل أو الترويج لها.

ويستند هذا الوصف الى القرار الصادر عام 2025، الذي قضى بحظر جماعة الإخوان المسلمين واعتبار أي نشاط أو ترويج أو تعامل باسمها مخالف لأحكام القانون، واخضاع المخالفين لهذا القرار للمساءلة القانونية وفق أحكام القانون.

المطلب الثاني

الجماعة غير المشروعة

ورد تعريف كافٍ وجازم في قانون العقوبات الأردني رقم (16) لعام (1960) في المادة 159 للجماعة غير المشروعة حيث نصت على: "1- كل جماعة من الناس مسجلة كانت أو غير مسجلة، تحرض أو تشجع بنظامها أو بما تقوم به من دعاية على ارتكاب أي فعل من الأفعال غير المشروعة التالية:

أ- قلب دستور المملكة بالثورة أو التخريب.

ب- قلب الحكومة القائمة في المملكة بموجب الدستور باستعمال القوة والعنف.

ج- تخريب أو اتلاف اموال الحكومة الأردنية في المملكة."

وقد بين قانون العقوبات الأردني رقم (16) لعام (1960) من المادة (160—163) عقوبة الإنتساب أو العمل، عقوبة التشجيع أو الترويج لأفعال الجمعية غير المشروعة، عقوبة نشر أو توزيع مطبوعاتها ومنشوراتها.

المطلب الثالث

الجماعة المنحلة

ورد في قانون الجمعيات رقم(51) لعام (2008) في المادة (20) حالات اعتبار الجمعية منحلة حكماً وهي: "1- اذا لم تباشر عملها أو توقفت عن ممارستها لمدة سنة./ 2- إذا تخلفت عن تصويب أوضاعها وفق أحكام المادة (28) من هذا القانون."

لم يرد تعريف مستقل للجماعة المنحلة في قانون العقوبات الأردني إنما نص في المادة(159) منه على أن:" الجمعية التي تستمر بعقد اجتماعاتها بعد انحلالها تعتبر غير مشروعة." بمعنى أن الإنحلال هو انتهاء الشخصية القانونية للجمعية وأذا استمرت بالعمل بعد الإنحلال ستنتقل الى وصف غير مشروعة.

وقد جاء قرار محكمة التمييز الأردنية في القضية التميزية رقم (2013/2020) الصادر في تموز 2020، والذي يقضي باعتبار جماعة الإخوان المسلمين منحلة حكماً وفاقدة لشخصيتها القانونية والإعتبارية لعد تصويب أوضاعها القانونية وفق التشريعات والأحكام القانونية.

وبالخلاصة، يستند وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها جماعة غير مشروعة ومحظورة ومنحلة الى مجموعة من القرارات والأحكام القانونية الصادرة عن الجهات المختصة، ويتمثل السند القانوني لوصفها بأنها جماعة منحلة في الأجكام القضائية الصادرة بحل الجماعة وأنهاء شخصيتها القانونية، أما وصفها بأنها جماعة غير مشروعة فيستند الى اعتبارها غير قائمة على أساس قانوني وفق التشريعات النافذة وعد تمتعها بالشخصية الإعتبارية اللازمة لممارسة النشاط العام، كما يستند وصفها بأنها جماعة محظورة الى قرار وزير الداخلية الأردني الصادر بتاريخ 23/4/2025 الذي يقضي بحظر نشاطاتها واعتبار أي نشاط أو انتساب أو ترويج لها عملاً مخالفاً لأحكام القانون ويستوجب المساءلة القانونية، وإن هذا القرار اداري وذلك لصدوره عن سلطة ادارية مختصة، وإن هذا القرار يعتبر من ضمن القرارات الإدارية القابلة لوصفها بأنها إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة بما لها من سلطة عامة بقصد احداث أثر معين.

الآثار امترتبة على المنتسبيين للجماعة بعد اعتبارها غير المشروعة

إن التكييف الجرمي القانوني للأفعال المتمثلة في الإنتساب الى الجماعة أو الإستمرار في ممارسة نشاطها أو الترويج لأفكارها بعد اعتبارها جماعة غير مشروعة ومنحلة، وبالرجوع الى أحكام قانون العقوبات الأردني رقم(16) لعام (1960) يتبين أن المشرع قد أدرج هذه الأفعال ضمن الجنح وليس الجنايات، وذلك بالنظر الى طبيعة العقوبات المقرر لها .

فقد نصت المادة (160) منه على معاقبة المنتسب لعضوية الجماعة غير المشروعة أو من يشغل وظيفة أو منصب فيها أو يعمل مندوباً لها بالحبس مدة لا تزيد على سنتين في الحالات المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة (159)، كما نصت المادة (161) على معاقبة من يشجع الغير على القيام بالأفعال غير المشروعة بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، في حين قررت المادتين (162+163) عقوبة الحبس لمدة لا تزيد على ستة أشهر بحق من يقدم التبرعات أو ينشر المطبوعات والمنشورات الخاصة بالجماعة غير المشروعة.

كما نص قانون الجرائم الإلكترونية الأردني رقم (17) لعام (2023) في المادة (23) منه على تجريم استخدام الإلكترونيات أو المنصات الرقمية أو المحافظ الإلكترونية في جمع التبرعات أو الترويج، ويشكل هذا الفعل مخالفة مستقلة ولها عقوبة جزائية إذا ارتبطت بجمع التبرعات لصالح الجماعة غير المشروعة والمحظورة.

وعليه، فإن الأفعال المرتبطة بالإستمرار في نشاط الجماعة بعد اعتبارها غير مشروعة ومنحلة تُكيف من حيث الأصل بوصفها جنحة لا جناية، لأن العقوبات المقررة لها هي عقوبات جنحية تتمثل بالحبس والغرامة، ولم يقرر لها المشرع العقوبات المخصصة للجنايات كالأشغال المؤقتة أو الأشغال المءبدة أو الإعدام. غير أنه إذا اقترنت هذه الأفعال بجرائم أخرى مستقلة تمس أمن الدولة أو تتضمن افعالاً مجرمه بنصوص خاصة، فإن التكييف القانوني والعقوبة يحددان وفق النصوص الأشد.

الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان